أحمد مصطفى المراغي
4
تفسير المراغي
المعنى الجملي تقدم أن قلنا غير مرة إن الذين قسموا القرآن إلى أجزائه الثلاثين نظروا إلى العدّ اللفظي ولم يعنوا بالنظر إلى الترتيب المعنوي ، ومن ثم تجد جزءا قد انتهى وبدئ بآخر أثناء القصة كما هنا . فبعد أن بشر الملائكة إبراهيم عليه السّلام بالغلام - سألهم ما شأنكم وما الذي جئتم لأجله ؟ قالوا إنا أرسلنا إلى قوم لوط ، لنهلكهم بحجارة من سجيل بها علامة تدل على أنها أعدت لإهلاكهم ، ثم نأمر من كان فيها من المؤمنين بالخروج من القرية حتى لا يلحقهم العذاب الذي سيصيب الباقين ، وسنترك فيها علامة تدل على ما أصابهم من الرجز ، جزاء فسوقهم وخروجهم من طاعة ربهم . الإيضاح ( قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ) أي قال إبراهيم لهؤلاء الملائكة : ما شأنكم ؟ وفيم أرسلتم ؟ وجاء في سورة هود : « فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ . إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ . يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ » . فأجابوه عما سأل : ( قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ . لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ . مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ) أي قالوا له : إنا أرسلنا إلى قوم لوط بالعذاب لإجرامهم ، وسنلقى عليهم حجارة من طين مطبوخ كالآجرّ وهي في الصلابة كالحجارة ، وفيها علامات أعدت لهلاك المسرفين . ولما أراد سبحانه أن يهلك المجرمين ميّز عنهم المؤمنين وأبعدهم منهم كما قال : ( فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ . فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ )